محمد حسين الذهبي
145
التفسير والمفسرون
الخطوة الرابعة : ثم إن التفسير لم يقف عند هذه الخطوة الثالثة بل خطا بعدها خطوة رابعة ، لم يتجاوز بها حدود التفسير بالمأثور ، وإن كان قد تجاوز روايته بالإسناد ، فصنف في التفسير خلق كثير ، اختصروا الأسانيد ، ونقلوا الأقوال المأثورة عن المفسرين من أسلافهم دون أن ينسبوها لقائليها ، فدخل الوضع في التفسير والتبس الصحيح بالعليل ، وأصبح الناظر في هذه الكتب يظن أن كل ما فيها صحيح ، فنقله كثير من المتأخرين في تفاسيرهم ، ونقلوا ما جاء في هذه الكتب من إسرائيليات على أنها حقائق ثابتة ، وكان ذلك هو مبدأ ظهور خطر الوضع والإسرائيليات في التفسير . وسنعرض لهذا بالبيان والتفصيل فيما بعد إن شاء اللّه تعالى . ولقد وجد من بين هؤلاء المفسرين من عنى بجمع شتات الأقوال ، فصار كلما سح له قول أورده ، وكلما خطر بباله شئ اعتمده ، فيأتي من بعده وينقل ذلك عنه بدون أن يتحرى الصواب فيما ينقل ، وبدون التفات منه إلى تحرير ما ورد عن السلف الصالح ومن يرجع إليهم في التفسير ، ظنا منه أن كل ما ذكر له أصل ثابت ! ! وليس أدل على نهم هؤلاء القوم بكثرة النقل ، من أن بعضهم ذكر في تفسير قوله تعالى « غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ » « 1 » عشرة أقوال مع أن تفسيرها باليهود والنصارى ، هو الوارد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعن جميع الصحابة والتابعين ، حتى قال ابن أبي حاتم « لا أعلم في ذلك اختلافا بين المفسرين « 2 » » . الخطوة الخامسة : ثم خطا التفسير بعد ذلك خطوة خامسة ، هي أوسع الخطا وأفسحها ،
--> ( 1 ) في الآية ( 7 ) من سورة الفاتحة . ( 2 ) الإتقان ج 2 ص 190 .